Archive for June, 2013

عسّاف

Posted: June 16, 2013 in فائض

صورة

لم يعد هناك طفل في زقاقٍ  فلسطيني الملامح في اي مخيم او قرية او مدينة  لم يسمع بإسم محمد عساف الفنان حتى قبل حصوله على لقب محبوب العرب  وإن لم يحصل عليه لن يختلف الوضع فالشهرة التي وصلها، مئات الفنانين يدفعون الاموال الطائلة ليصلوه، ولكنه سريعا كصاروخ وصل الى القمة فلسطينيا وعربيا، حيث اصبح لسان حال كل شباب فلسطين والسلطة.

لم يكن عساف في يوم من الايام الا شاب فلسطيني بسيط يملك حنجرة ذهبية ووجد الباب الذهبي بمحض الصدفة ليصبح بيوم وليلة اسما تترنح قلوب الفلسطينين عند سماعه ولكن حين يخرج الموضوع عن اطاره تحدث المصيبة التي لا  يحمد عقباها واتوقع ان ردود الفعل على هذه المقالة لن تكون بالايجابية .

ارى ان الانفجار الفكري الذي تجلى الان فلسطينيا في تناول “اراب ايدول ” الذي اصلا يشهد اغلب المواطنين بكرههم له  بالاعوام السابقة بصفته منتج غربي يروج لعادات تختلف ويمكن ان تتعارض مع طبيعتنا، وبنفس الوقت يندر من لا يشاهده ويستمر امام الشاشة، ينجو من تهمة متابعة البرنامج بان يهمله “فيسبوكيا” أو يكتفي بمشاهدة  ما يتناوله الاصدقاء والصفحات من نكت بعضها جميل والاخر مجرد تعليقات عما يدور في البرنامج من الحكام والمشاركين والكثير الكثير من  مشاعر الحب والوله  .

لكن وهنا تأتي بكل اسف، ان عدم وضوح النهج الوطني الفلسطيني وجعله بكل بساطة فضفاضا يستوعب احلال الجديد بالقديم واطاحة احد ثوابت العمل الوطني كالمقاومة امام النهج الاعلامي الموجود حاليا جعل من حضور البرنامج عملا وطنيا بحد ذاته والتصويت فرض ديني والمشاركة في الشارع ونسيان كل ما يتعلق بالاحتلال وغلاء الاسعار والاعتقال السياسي ولو بشكل آني امر تحصيل حاصل لا نقاش عليه، فهل تشكر الحكومة والسلطة الفلسطينية  والاحتلال هذا البرنامج  على تفريغ الشعب من محتواه الفكري ومن الغصة التي يشعر بها نتيجة القهر في النفوس  ومحاباة الاخر طمعا في حياة افضل ؟  اتوقع انهم شكروه وانتهى الموضوع !

اولا :

“سيرفع علم فلسطين على مسرح اراب ايدول ” …  هذه الجملة التي خرجت من فم احد منسقي الحملات الداعمة لمحمد عساف استوقفتني كثيرا، مر بالبال ” الختيار ” الرمز ابو عمار الذي بغض النظر عن اتفاقك معه او اختلافك مع النهج السياسي  اصبح رمزا وطنيا ورجلا  ندرت شخصيته ان لم تكن مستحيلة ان تنتج فلسطين مثله بعد الان، أطرقت الاذن الى صوته قائلا : “سيرفع شبل من اشبالنا او زهرة من زهراتنا علم فلسطين فوق مآذن القدس وكنائس القدس”  وعساف الشاب الفلسطيني الوطني  حاله كحال كل شاب فلسطيني راودته هذه الجملة وداعب خياله هذا اليوم ، ليأتي بكل بساطة يوم بديل يتراقص الشعب امام ضريح ذات الرمز على برنامج غربي بحت وتكتمل  الرؤية بان يكون الحلم ان يرفع علم فلسطين على مسرح ” اراب ايدول” .

ثانيا :
لم يعد النهج الفلسطيني بالنقاش يخفى على احد في كل قضية خلافية، فتح  وحماس، الحقوق والواجبات ، المعارضة والنظام في سوريا ، الاخوان في مصر ، ريال مدريد وبرشلونة والان  المدافعين ككل عن البرنامج  الذي يحتضن عساف والمسرح الذي يطلق العنان لصوته ليصدح في كل البلاد،  لم يكن الامر الا قضية خلافية جديدة  نتجه دوما للتطرف فيها كالعادة بحيث يصبح الحديث عنها اما بدعم كل ما يتعلق بابن فلسطين، او انتقاض كل شيء يمت لهذه الظاهرة بصلة، وهذا ما يضعنا  وجها لوجه امام النقاش البيزنطي الفلسطيني امام اي قضية حالها حال الملف السوري الذي لم يعد الا ما ندر يدعم شعب سوريا الشقيق، بل اصبحت الاراء تنقسم بين النظام وضد النظام  بدون اعتبار ان القتل من الطرفين يستمر ،  مما يترك  اثرا كبيرا على الواقع الفلسطيني الذي لم يعد يحمل في  داخله أفقا  فكريا يحتمل الاخر،

ثالثا :
منذ متى اصبحت الرئاسة والوزراء والسفراء والاجهزة الامنية بالاضافة الى الشركات الفلسطنية بكاملها تفرغ الوقت لصوت نانسي عجرم التي تمدح عساف او احلام التي تطلق صرخات الاستهجان من كل الجماهير حين تتحدث، كيف تفرغ الشعب الفلسطيني من رأس الهرم  الى نهايته لحملات وطنية حكومية من اجل دعم الفنان، اليست هذه الحالة تستحق ان تستوقفنا ونتسآل عن كل ما يدور في فلسطين المحتلة – واكرر المحتلة – لان البعض يبدو ان نسي وجود الاحتلال، اليس الاجدر بهم بدل ركوب الموجة من جديد، الانتقال الى الاغوار ورفع مستوى المعيشة، صرف الرواتب بانتظام، تقليص عدد الرحلات المتجهة الى لبنان من اجل حضور الحفل النهائي ونقلها على الصعيد العالمي لنشر فكرة الدولة التي كانت حملتها هي الاكبر حتى وصول عساف الى كرسي الحكم في قلوب كل الجماهير، لم تعد الاولوية تعد اولوية الا اذا الشعب احبها ونحن شعب نحتاج الفرح ، فلنهبهم الفرح لان  الفرح له مفعول المخدر ينسيك ما تمر به .

رابعا :
منذ البداية والرصاصة الفكرية الموجهة الى الشعوب العربية كافة تبحث عن المدخل المناسب الى قلب الجماهير، فالبرامج التي بدأت ب”ستار اكاديمي” والاستيراد النهم للبرامج المنتجة غربيا ووضعها في السياق العربي  لتشارك بالتحدي في طريق البرامج التي لم تكن ممهدة بتاتا، ومن بدايتها وهذه البرامج تصارع الفكر العربي الذي لم يكن يتقبلها بعد وخاصة فلسطينيا،  وحالها حال كل البرامج رغبتها  تتبلور حول دخول كل بيت في العالم العربي، واتت الرصاصة هذا العام موجعة بحيث  اصبح الرمز الفلسطيني بكامل اشكاله قابلا للترويج، ان كنت متفائلا فان الجميع انتبه لرسالة الاسير التي وصلت بطريقة او بأخرى الى البرنامج وتحورت مباشرة بطريقة  غريبة ليظهر اضراب الاسرى  من اجل حضور البرنامج او مشاهدة الام بي سي التي لم تمنع هي وتلفزيون فلسطين  في داخل السجون اصلا. اما الاستثمار العالي بالموضوع فكان جاهزا ليصبح الاسرى هم الشريحة المشجعة لعساف  كأن همومهم إضمحلت امام صوته، لا تدعونا نسقط من علو شاهق مرة اخرى. 

وفي الختام، محمد عساف شاب فلسطيني رائع بحنجرة صعب ان تتكرر مرتين فلسطينيا وعربيا من وجهة نظري، ولكن كل هذا الاستثمار به ما هو الا مجرد مصالح عليا ستختفي بعد ان تكتفي، ويبقى وحده وان كان التفاؤل سيد الموقف سيبقى وحده مع الشعب فقط، والحذر كل الحذر من يصل القمة مسرعا  يجد نفسه على على طريق  لا بد من بذل الجهد المضاعف خاصة بعد انسحاب وسائل المساعدة، وان لم يستطع فان الطريق من القمة معروفة الى اين تؤدي، فحاذر صديقي عساف هذا الطريق الذي من وجهة نظري  هو ما يرسم لك.

Advertisements